Research 1 Research 2 Research 3

يُقدَّم الذكاء الاصطناعي في كثير من الخطابات إمّا بوصفه تهديدًا لتميّز البشر، وإمّا بوصفه أداةً حيادية لتعزيز الإنتاجية. ونادرًا ما يُناقَش باعتباره وسيلة يمكن أن توفّر دعمًا فعليًا للأشخاص ذوي التنوّع العصبي؛ كما نادرًا ما يُطرَح السؤال عمّا يمكن أن يصير إليه إذا جرى تشكيله استنادًا إلى أنماط تفكير عصبية متنوّعة.

لا تتمثّل المسألة فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي “يساعد” فحسب.
بل تتمثّل في: المساعدة وفقًا لمعايير مَن؟

تُطالَب الأشخاص ذوو التنوّع العصبي، عبر قطاعات التعليم والعمل والخدمات العامة، بالتكيّف بصورة مستمرّة مع أنظمة لم تُصمَّم أصلًا مع أخذ احتياجاتهم بعين الاعتبار. إذ تُنمَّط أساليب التواصل، ويُضبَط الانتباه، وتظلّ التوقّعات الاجتماعية ضمنية وغير مُصرَّح بها، بينما تُكافئ الإجراءات الإدارية أنماطًا محدَّدة من الأداء التنفيذي.

في هذا السياق، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن توفّر دعمًا حقيقيًا.

أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الأشخاص ذوي التنوّع العصبي

يمكن، عند استخدامه بمسؤولية، أن يؤدّي الذكاء الاصطناعي وظيفة دعامة معرفية بدل أن يكون أداة تصحيح أو تقويم. إذ يمكن أن يُسهم في:

  • تحويل المعلومات الكثيفة إلى صيغ منظَّمة.

  • المساعدة في صياغة المسودّات عند صعوبة البدء.

  • توفير مساحة تدريب على التواصل.

  • دعم تخطيط الوقت وتفكيك المهام.

  • إتاحة وسائط بديلة للمعالجة (نصية، صوتية، أو تلخيصات بصرية).

ومن خلال ذلك، يمكن التخفيف من الاحتكاك اليومي الذي يواجهه الأشخاص الذين يتعاملون مع تحدّيات في الوظائف التنفيذية، أو اختلافات في المعالجة الاجتماعية، أو إرهاق حسّي.

وتنبع أهمية ذلك من كون كثير من الحواجز المؤسسية إجرائية لا فكرية.

ومع ذلك، من المهم هنا التمييز أخلاقيًا. فلا ينبغي تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً لجعل الأشخاص ذوي التنوّع العصبي يبدون “أكثر نمطية”. إذ عندما يُصوَّر الاستخدام التكنولوجي كوسيلةٍ لتهذيب الاختلاف وجعله مقبولًا، يُعاد إنتاج المعيارية ذاتها التي تُقصي منذ البداية.

لا يتمثّل الهدف في التطبيع.
بل في الإتاحة والفاعلية والوكالة على الذات.

المخاطر: أتمتة المعايير

تُدرَّب أنظمة الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات واسعة تعكس أنماط التواصل السائدة وتوقّعات السلوك المهيمنة. وبناءً على ذلك، فإنها غالبًا ما تُشفِّر افتراضات حول شكل الوضوح، وصوت المهنية، ومعايير التفاعل “المناسب”.

وإذا تُركت هذه الأنظمة من دون مساءلة نقدية، فإنها تُخاطر بترسيخ المعايير العصبية النمطية بوصفها القاعدة الافتراضية.

فماذا يحدث، على سبيل المثال، عندما تُفضِّل أدوات التوظيف أنماطًا لغوية معيّنة؟
وما الافتراضات الكامنة في تقييمات “الملاءمة” المدفوعة بالذكاء الاصطناعي؟
وأيُّ أسلوب معرفي يُعامَل بوصفه حياديًا؟

لا يُعدّ ذلك مجرّد سهو تصميمي، بل هو سؤال سياسي وبنيوي وهيكلي.

ما الذي تُضيفه المنظورات العصبية المتنوّعة إلى تطوير الذكاء الاصطناعي

يقتضي النقاش الانتقال من منطق الإسناد إلى منطق التشاركية في البناء.

غالبًا ما يجلب الأشخاص ذوو التنوّع العصبي معهم:

  • قدرةً على التعرّف إلى الأنماط خارج الاستدلالات التقليدية.

  • تخصّصًا عميقًا قائمًا على تركيز ممتد.

  • مقاربات أحادية المسار لحلّ المشكلات.

  • حساسية ووعي تجاه تناقضات الأنظمة.

  • قراءات بديلة للبيانات الاجتماعية.

لا تُعدّ هذه خصائص ينبغي احتواؤها فقط؛ بل موارد معرفية.

وعندما يُشرك الأشخاص ذوو التنوّع العصبي بصورة ذات معنى في تصميم الذكاء الاصطناعي واختباره وحوكمته وتدقيقه، يمكن للأنظمة الناتجة أن تصبح أكثر قابلية للتكيّف وأقلّ صلابةً معيارية.

وبدلًا من إلحاق لاحقًا بالبنية، يُدمَج الإدماج في مستوى الهندسة ذاتها.

هكذا تتجلّى المساءلة العلاقاتية في التطوير التكنولوجي: إذ ينبغي أن يُسهِم الأكثر تأثّرًا بالأنظمة في تشكيلها.

الانتقال من استخدام الأداة إلى التصميم البنيوي و الهيكلي

يتوازي في هذا المجال نقاشان:

  • كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تقليل الحواجز أمام الأشخاص ذوي التنوّع العصبي أثناء تنقّلهم في مؤسسات قائمة.

  • كيف يمكن للأشخاص ذوي التنوّع العصبي إعادة تشكيل الافتراضات المضمَّنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها.

يتعلّق الأول بالإتاحة و الوصولية.
ويتعلّق الثاني بالقوة.

ومن دون الثاني، يظلّ الأول منقوصًا.

نلاحظ مرارًا أنّ النقاشات حول التكنولوجيا تنحصر في مسألة الوظيفة: ما الذي ينجح؟ ما الذي يتوسّع؟ ما الذي يوفّر الوقت؟ غير أنّ ما يُهمَل غالبًا هو سؤال: أيُّ أسلوب معرفي سيصبح البنية الافتراضية للمستقبل؟

لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي حياديًا معرفيًا.
فهو يُشفِّر اختيارات تصميم، وأولويات تدريب، وافتراضات حول ما يُعَدّ “تفكيرًا جيّدًا”.

وإذا جرى فهم التنوّع العصبي لا بوصفه انحرافًا، بل بوصفه تنوّعًا، فعندئذٍ ينبغي أن تعكس الأنظمة التكنولوجية هذا التنوّع على المستوى البنيوي.

أسئلة ينبغي على المؤسسات طرحها

  • هل تُطرَح أدوات الإتاحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بوصفها دعمًا اختياريًا، أم بديلًا عن تكييف مؤسسي أوسع؟

  • مَن يحضر في عمليات تصميم الذكاء الاصطناعي وحوكمته، ومَن يُستبعَد؟

  • هل تُعاقِب مؤشرات الأداء الاختلاف المعرفي؟

  • هل يُعامَل المستخدمون والمستخدمات من ذوي التنوّع العصبي بوصفهم مختبِرين ومختبِرات، أم معماريين ومعماريات؟

إنها أسئلة حوكمة، لا مجرّد تحسينات استخدام.

إعادة تأطير

يسأل الخطاب السائد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستوعب التنوّع العصبي؟

غير أنّ السؤال الأكثر جدّية هو: هل يمكن للتنوّع العصبي أن يُحسِّن الذكاء الاصطناعي؟

إذا أُريد للذكاء الاصطناعي أن يصير بنيةً تحتية عامة لا مجرّد آلة تحسين ضيّقة، فينبغي أن يُشكَّل استنادًا إلى منطقيات معرفية متنوّعة؛ لا بوصفها إضافة لاحقة، ولا امتثالًا شكليًا، بل مبدأ تصميم.

ويقتضي ذلك انتقال المؤسسات من خطاب الإدماج إلى إعادة تصميم بنيوي.

كما يقتضي فهم التنوّع العصبي لا باعتباره مسألة دعم فردي فحسب، بل بوصفه مصدر قوة معرفية.

لا يمكن حسم هذه الأسئلة عند مستوى الإنتاجية الفردية أو تفضيل الأدوات؛ إذ تقع عند تقاطع الإدراك، والسلطة، والحوكمة، والتصميم.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي بصدد أن يصبح جزءًا من بنيتنا التحتية المشتركة، فإن فهم كيفية ترميز المعايير المعرفية فيه وكيفية مساءلتها لم يعد خيارًا. بل يتطلّب إلمامًا مفاهيميًا، ووضوحًا أخلاقيًا، وشجاعة مؤسسية.

نُعالج عبر برامج اكاديمية CTDC هذه التوترات تحديدًا:

  • كيفية تضمين الأنظمة التكنولوجية افتراضات سياسية واقتصادية.

  • كيفية اشتغال المساءلة عند أتمتة القرارات.

  • كيفية انتقال الحوكمة من الامتثال إلى المسؤولية العلائقية.

  • كيفية تصرّف الأفراد والمؤسسات بمسؤولية داخل أنظمة غير متكافئة وسريعة التحوّل.

لا تُعَدّ هذه مساحات تدريب تقني، بل بيئات تعلّم للأشخاص الراغبين والراغبات في التفكير الجاد في البُنى التي تُشكّل عملهم وحياتهم، والمشاركة في إعادة تشكيلها.

وإذا كنتم وكنتنّ تتعاملون مع دور الذكاء الاصطناعي في مؤسساتكم ومؤسساتكنّ، أو تتأمّلون في كيفية الاعتراف بالاختلاف المعرفي ودعمه أو تهميشه داخل الأنظمة التكنولوجية، فقد يكون من المجدي استكشاف برامج الأكاديمية.

إن التحوّل التكنولوجي الجاد يتطلّب تعلّمًا جادًا.
 

تواصلوا معنا

لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!

"

"