يتركّز جزء كبير من الإرشادات المتداولة حول الانتقال المهني في عصر الذكاء الاصطناعي على الفرد بصورة مفرطة. إذ يُقال لنا إن التركيز ينبغي أن ينصبّ على إعادة ابتكار الذات: إتقان فن الترويج الذاتي، والتحوّل السريع، وتكديس الشهادات والاعتمادات. غير أن هذا المنظور يُغفل واقع العمل في ظل الذكاء الاصطناعي؛ وهو واقع يتسم بعدم يقين بنيوي، وبسياسات تنظيمية معقّدة، وبإعادة تعريف لما يعنيه التصرّف بمسؤولية داخل أنظمة القوة.
وعليه، يبرز السؤال: كيف يمكن إعادة تموضع المسار المهني بنزاهة؟ وما الأطر العملية التي تتيح هذا الانتقال دون التضحية بالوضوح الأخلاقي أو الوقوع في فخ الانتهازية؟
🔎منظور تشخيصي لمخاطر وفرص المسار المهني
في مركز التنمية والتعاون عبر الأوطان (CTDC)، ننطلق من أن إعادة التموضع المهني المسؤولة لا تبدأ ببناء العلامة الذاتية، بل بالعمل على التشخيص. وتتمثل المهمة الأساسية في إظهار ما غالباً ما يبقى محجوباً: مستوى هشاشة الأدوار المهنية، ومدى جاهزية المؤسسات للتكيّف الأخلاقي، والطرق المحددة التي يكشف من خلالها الذكاء الاصطناعي المهنيين والمهنيات لأشكال جديدة من المخاطر أو السلطة.
ويطرح النهج التشخيصي مجموعة من الأسئلة، من بينها:
هشاشة الدور: إلى أي مدى يمكن أتمتة الوظائف الأساسية، أو تفويضها، أو إعادة تعريفها؟
الجاهزية المؤسسية: هل تعترف المؤسسة بالعواقب الأخلاقية والبنيوية للذكاء الاصطناعي، أم تتعامل مع الأتمتة بوصفها ترقية تقنية فحسب؟
التعرّض الأخلاقي: أين تتداخل حدود الكفاءة والعدالة والمسؤولية؟ وما التداعيات المترتبة على ذلك من حيث المساءلة؟
ولا يتعلق الأمر هنا بالقلق الشخصي، بل بالتموضع البنيوي داخل منظومات العمل.
🧭الهوية المهنية تحت ضغط الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر الأتمتة على إعادة توزيع المهام؛ بل تعيد تشكيل ما يُعدّ خبرةً وحُكماً مهنياً ذا قيمة. ففي كثير من السياقات، بات ما يُعترف به كمعرفة موثوقة يُحدَّد بشكل متزايد عبر أنظمة ومؤشرات وخوارزميات يصعب مساءلتها أو تفكيكها. وينتج عن ذلك، بالنسبة للمهنيين والمهنيات، تضييق متدرّج لمساحات التقدير المهني، والرعاية، والاعتراض المبدئي.
وتكمن خطورة هذا التحوّل في أنه نادراً ما يُسمّى باسمه. إذ يحدث التآكل على نحو غير مباشر: تتحول السلطة إلى إجراءات، وتُختزل المساءلة في الامتثال، ويُستبدل الحكم الأخلاقي بمخرجات خوارزمية. ومن ثم، فإن إعادة التموضع بنزاهة تقتضي استعادة الحق في التساؤل، بل وفي الرفض عند الضرورة.
🖼️لمحات تطبيقية: مسارات عبر الاضطراب
الممارسة الإنسانية: في مواجهة أتمتة تقييم الاحتياجات، يتمثل التحدي في إعادة التموضع من دور جامع البيانات إلى دور المفسّر النقدي، بما يضمن ألا تحل الأدوات الرقمية محل العلاقات التي تقوم عليها الاستجابة الفعّالة.
مستشارو السياسات ومستشاراتها: مع تزايد أتمتة التنبؤات السياساتية، يصبح جوهر إعادة التموضع هو التنقّل بين المخرجات التقنية والمساءلة السياسية، مع الإصرار على الشفافية في كيفية وزن الأدلة واستخدامها.
إدارة البرامج: في سياق أتمتة تدفقات العمل، لا يتمحور سؤال إعادة التموضع حول زيادة الكفاءة، بل حول كيفية الحفاظ على الإشراف الأخلاقي مع إعادة توزيع المسؤوليات بين الفاعلين البشريين والآليين.
ولا تُعد هذه الأمثلة حالات استثنائية؛ بل تعكس ضغوطاً بنيوية تُختبر عبر قطاعات متعددة.
🧰 طريقة عملية لإعادة التموضع
لا تقوم إعادة التموضع بنزاهة على الارتجال، ولا على السلبية. بل تتطلب أطر عمل وأدوات مقصودة، من بينها:
أسئلة رسم السياق: من يمتلك السلطة في هذا النظام، وعلى أي أساس؟ وما الافتراضات التي تقوم عليها إدخالات الذكاء الاصطناعي في هذا السياق؟
تقييم القدرة مقابل المصداقية: هل يُطلب مني تحقيق نتائج، أم إضفاء الشرعية على عملية قائمة؟ وما أشكال الخبرة التي يجري تقديرها، وأيها يجري تهميشها؟
الخطوط الحمراء الأخلاقية وحدود القرار: متى يتحول التكيّف إلى تواطؤ؟ وما حدود المشاركة المسؤولة؟
مسارات التعلّم: كيف يمكن إعطاء الأولوية للحكم العميق، والمساءلة العلائقية، والتأمل الجماعي، بدلاً من السرعة والكفاءة السطحية؟
ولا تعد هذه الأدوات بضمان اليقين؛ بل توفر دعائم للفعل المسؤول في سياقات يتسم الغموض فيها بالتعقيد.
🏗️ التعلّم كبنية تحتية، لا كاستهلاك
تقوم الصورة السائدة للتعلّم في عصر الذكاء الاصطناعي على السرعة، والتعلّم عند الطلب، والتخصيص اللامحدود. غير أن بناء القدرات الجاد لا يمكن اختزاله في إيصال المحتوى أو تراكم الشهادات. فالتعلّم، حين يُتعامل معه كبنية تحتية، يكون منظّماً، وقائماً على الممارسة، وخاضعاً للمساءلة؛ وهو جهد جماعي يبني القدرة على الصمود عبر الزمن، لا حلولاً فورية.
وتكتسب البيئات المنظّمة للتعلّم والتفكير الجماعي أهمية خاصة لأن المعضلات معقّدة، والآثار غير متكافئة. وهنا يتم العمل على بناء قدرات مؤسسية ومهنية قادرة على الصمود، والمساءلة، والتنقّل الأخلاقي في ظل تحولات يقودها الذكاء الاصطناعي.
تواصلوا معنا
لديكم أسئلة؟ أفكار؟ رغبة في التعاون؟ نحن هنا ونحب أن نسمع منكم، فلا تترددوا في مدّ جسور التواصل!